كمال الدين دميري

372

حياة الحيوان الكبرى

قيل له : كفى بنفسك رجلا حسيبا . وكان الحسن البصري إذا قرأها قال : يا ابن آدم أنصفك واللَّه من جعلك حسيب نفسك . وقيل في قوله تعالى : * ( سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِه يَوْمَ الْقِيامَةِ ) * « 1 » أي يلزمون أعمالهم كما يلزم الطوق العنق . يقال : طوق فلان الحمامة ، أي ألزم جزاء عمله . روى الإمام أحمد في الزهد عن مطرف أنه قال : إذا أنامت ، فلا تحبسوني لكي يجتمع الناس ، فأطوقهم طوق الحمامة . ومن هذا المعنى . قول عبد اللَّه بن جحش لأبي سفيان : أبلغ أبا سفيان عن أمر عواقبه ندامه دار ابن عمك بعتها تقضي بها عنك الغرامة وحليفكم باللَّه رب الن اس مجتهد القسامة اذهب بها اذهب بها طوّقتها طوق الحمامة أي لزمه عارها . قال الإمام عبد الرحمن السهيلي : هذا المثل منتزع من قول رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم « من غصب شبرا من الأرض ، طوقه يوم القيامة من سبع أرضين » « 2 » . وقوله : طوق الحمامة لأن طوقها لا يفارقها ولا تلقيه عن نفسها أبدا ، كما يفعل من لبس طوقا من الآدميين . وفي هذا البيت ، من حلاوة الإشارة ، وملاحة الاستعارة مالا مزيد عليه . وفي قوله : طوق الحمامة ردّ على من تأوّل قوله صلى اللَّه عليه وسلم : « طوّقه من سبع أرضين » أنه من الطاقة ، لا من الطوق في العنق . وقاله الخطابي في أحد قوليه ، مع أن البخاري قد قال في بعض رواياته : خسف به إلى سبع أرضين . وفي مصنف ابن أبي شيبة « من غصب شبرا من أرض جاء به اسطاما في عنقه » . والاسطام كالحلق من الحديد وقالوا : « أخرق من حمامة » « 3 » لأنها لا تحكم عشها وذلك لأنها ربما جاءت إلى الغصن من الشجرة فتبني عليه عشها في الموضع الذي تذهب به الريح فينكسر من بيضها أكثر مما يسلم قال عبيد بن الأبرص « 4 » : عيوا بأمرهم كما عييت بيضتها الحمامة « 5 » جعلت لها عودين من بشم وآخر من ثمامة « 6 » الخواص : إذا سكن المخدور بقربها أو في بيت يجاورها أو في بيت هي فيه برئ . وفي مجاورتها أمان من الخدر والفالج والسكتة والسبات . وهذه خاصية عظيمة بديعة ودمها إذا اكتحل به حارا نفع من الجراحات العارضة للعين والغشاوة . ودمها خاصة يقطع الرعاف الذي من حجب الدماغ ، وإذا خلط بالزيت أبرأ من حرق النار وزبل الحمام حار ، وأشده حرارة زبل

--> « 1 » سورة آل عمران : الآية 180 . « 2 » رواه الترمذي ديات : 21 ، والبخاري في بدء الخلق : 2 ، والمساقاة : 137 - 139 - 141 - 142 . الدارمي بيوع : 64 . ابن حنبل : 1 - 187 - 190 ، - 387 . « 3 » جمهرة الأمثال : 1 / 349 . « 4 » عيد بن الأبرص : شاعر جاهلي من أصحاب المعلقات . والبيتان في ديوانه : 138 . « 5 » في الديوان : برمت بنو أسدكما برمت ببيضتها الحمامة « 6 » النّشم : شجر تتخذ منه القسي . الثمامة : نبت ضعيف . وفي الديوان : « نشم وآخر » .